logo_img

معركة الصورة الذهنية

12-04-2019 18:25

source: alkhaleej.ae

 

لم يكن تركيز أباطرة الحركة الصهيونية العالمية، منذ انعقاد مؤتمرها التأسيسى الأول في بازل بسويسرا عام 1897، على امتلاك وتوظيف ثلاثة أسلحة لإنجاح المشروع القومي الذي أعلن واتفق عليه في هذا المؤتمر، أي إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين بعد 50 عاماً من ذلك التاريخ، اختياراً اعتباطياً، ولكنه كان اختياراً مدروساً ومحكماً لإنجاح مشروعهم.

 

هذه الأسلحة هي بالترتيب حسب الأولوية: المال ومن خلاله يمكن عمل كل شيء، ابتداءً من شراء النفوس ودفع الرشى وتمويل الهجرة وشراء الأصول الزراعية والصناعية في فلسطين، إلى دفع مستحقات وفواتير تأسيس الدولة وتثبيت وجودها من أسلحة وغيرها. ثم سلاح الدعاية والذي من خلاله يمكن تخليق صورة ذهنية عند اليهود في شتاتهم أولاً حول أرض الميعاد، أو الاستجابة لوعد الرب، أو عن شعب الله المختار لإقناع اليهود بترك أوطانهم والذهاب إلى فلسطين لتأسيس دولة «يريدها الرب لهم»، وامتداداً إلى تخليق صورة ذهنية عند غير اليهود، خاصة في الدول التي اعتقدوا أنها تملك قدرات تساعد على إنشاء الدولة اليهودية وتثبيت وجودها خاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا في أوروبا، ثم الولايات المتحدة، ومنها إلى كل العالم، أما السلاح الثالث فهو القدرات العسكرية التي يتحقق من خلالها: تحرير الأرض، وتثبيت الوجود، ثم التوسع والتمدد في أراضي الغير، إلى فرض التسلط والهيمنة.


هذه الأسلحة تكاملت فيما بينها، وإذا كانت أدوار المال والأسلحة العسكرية التي وصلت إلى ذروتها في السنوات الأخيرة، بامتلاك «إسرائيل» رغم صغر مساحتها وعدد سكانها الضئيل، قدرات عسكرية تقليدية، وأخرى غير تقليدية (نووية وبيولوجية وكيماوية)، توازن قدرات كبرى القوى العالمية، فإن السلاح الدعائي مازال أهم مجالات الإبداع بالنسبة لهم، وبه خاضوا أهم معاركهم لتمرير فرض وجود الدولة اليهودية وتأمين هذا الوجود.


فالحركة الصهيونية، امتلكت واخترقت أهم منابر الإعلام والفكر الإستراتيجي في العالم الغربي، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا. وكان الهدف هو صياغة رواية يهودية، ترتكز على تزييف احترافي للتوراة، تجعل من أرض فلسطين أرضاً ملكاً خالصاً لليهود، سواء من خلال وعود الرب (وهذا ذروة التزييف) أو من خلال الأصول التاريخية، بزعم أن اليهود هم سكان هذه الأرض الأصليين (من الفرات إلى النيل)، لتبرير الحركة الاستيطانية وضم الأراضي في فلسطين وجوارها العربي، وتصوير كل الحروب «الإسرائيلية» باعتبارها حروب استقلال وتحرير، كما ترتكز على تأسيس مصالح مشتركة متنوعة تربط بين «إسرائيل» والعالم الغربي، وتجعل الغرب على استعداد دائم للدفاع عن «إسرائيل»، وترتكز أخيراً على مخاطبة قطاع مسيحي واسع منتمٍ إلى تيار «المسيحية البروتستانتية» و«الكنيسة البروتستانتية» ذات القوة الغالبة في ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، بوجود علاقة قوية بين انتصار وسيادة «إسرائيل» وبين عودة السيد المسيح، ما أدى إلى تبني الملايين من أبناء هذه الكنيسة لهذا الزعم، وجعلهم أشد تصلباً واندفاعاً ودفاعاً عن «إسرائيل».


من خلال امتلاك الأداة الإعلامية والفكرية، نجح أباطرة المشروع الصهيوني في تخليق العشرات وربما المئات من الصور الذهنية عند اليهود وعند العالم الآخر، المستهدف بالقيام بأدوار للدفاع عن «إسرائيل» وعند الأعداء العرب أنفسهم، من خلال تزييف الوعي بالصراع وأسبابه وأهدافه. كانت معركة «الصورة الذهنية» بحق أهم معارك الحركة الصهيونية، التي اعتمدت على محو الرواية العربية والحقوق العربية وإحلال الرواية اليهودية محلها.


الآن وصلت معركة الصورة الذهنية إلى ذروتها، بفتح ملف الدعوة إلى تأسيس «دولة إسرائيل التوراتية» وهي الدعوة التي جاءت على رأس أولويات تكتل الليكود، الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو، فقد دعا ائتلاف اليمين، ضمن حملته الانتخابية الأخيرة إلى «إقامة دولة إسرائيل داخل الحدود التوراتية» وهذا يعني وفقاً للخرائط الرسمية، احتلال كل لبنان وكل فلسطين وكل الأردن ونصف سوريا وثلث السعودية، وثلثي العراق ونصف سيناء. ولنا في المبررات الجديدة لفرض السيادة «الإسرائيلية» على هضبة الجولان السورية المحتلة، ما يؤكد الشروع في تنفيذ هذا المخطط.


فقد اعتمد مشروعهم الساعي للحصول على اعتراف دولي، بفرض السيادة «الإسرائيلية» على هضبة الجولان التي احتلوها في حرب 1967، وأصدروا قرار ضمها عام 1981 على ركيزتين الأولى هي تزييف حقائق تاريخية تقول إن «هضبة الجولان» هي جزء من أرض الانتداب البريطاني على «أرض إسرائيل» (فلسطين)، وأن التنافس الفرنسي - البريطاني عام 1924، هو الذي أدخل الجولان ضمن أرض الانتداب الفرنسي على سوريا، ولذلك فإن قيام «إسرائيل» باحتلالها عام 1967، كان حرباً تحريرية أعادت أرضاً يهودية مغتصبة إلى شعبها اليهودي، وهذه صورة ذهنية. أما الركيزة الثانية فهي خلق صورة ذهنية بأن الدفاع الأمريكي عن فرض «إسرائيل» سيادتها على الجولان «مصلحة أمريكية»، هكذا كتب «يورام اتينجر» في صحيفة «إسرائيل اليوم» يقول: «إن اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان ليس هدية»، وأن بيان الرئيس الأمريكي «ينسجم مع المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط»، ويقول إن «قرار الرئيس ترامب يلقي الضوء على التماثل الأمني بين «إسرائيل» والولايات المتحدة» ويفصّل ذلك بأن «إسرائيل» القوية هي «إسرائيل» القادرة على حماية المصالح الأمريكية والدفاع عن حلفاء واشنطن». وهذه أيضاً صور ذهنية يجري فرضها على العقل الإستراتيجي الأمريكي.


هكذا يجري الصراع على أشده، وفي القلب منه معركة الصورة الذهنية، في وقت يعجز فيه العالم العربي والإسلامي، عن خوض المعركة على هذا المستوى شديد الخطورة، القادر على كسب المعارك دون حروب عسكرية

تقارير يوروبال

النشرة الشهرية

Copyright © 2014-2015 EuroPal Forum - All rights reserved