logo_img

دراسة: البرلمانات الاوروبية و الاعتارف بالدولة الفلسطينية... لعبة التمويه .... مجلة دراسات شرق أوسطية

15-03-2016 16:34

المصدر: مجلة دراسات شرق أوسطية

 

 

نشرت هذه الدراسة المحكمة عبر مجلة "دراسات شرق أوسطية" الصادرة عن مركز دراسات الشرق الاوسط في الاردن. العدد 75، ربيع 2016


البرلمانات الاوروبية والاعتراف بالدولة الفلسطينية... لعبة التمويه
بقلم: د. أديب زيادة*


ملخص

بالتصويت الذي تم تحت قبة البرلمان اليوناني على موضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية بتاريخ 22 كانون ثاني 2015 يكون هذا هو القرار الأحد عشر الذي تم أخذه في ظروف مشابهة من قبل برلمانات اوروبية أخرى منذ أكتوبر من العام 2014. وعلى الرغم من التفاعل الاعلامي والسياسي النسبي مع هذه القرارات الا أن النظر في نصوصها والملابسات التي واكبت اتخاذها تدلل بما لا يدع مجالا للشك أننا – وخلافاً للشائع - أمام مجرد انطباعات بوجود قرارات بالاعتراف بالدولة الفلسطينية حرص المشرعون الاوروبيون على الايحاء بها، ولسنا أمام دعوات حقيقية وصريحة بذلك. فالصياغات التي تمت لتلك القرارات تم حبكها بعناية ودقة شديدتين وبعضها أخذ أسابيع إن لم يكن أشهراً من النقاشات - بين الاحزاب الممثلة داخل البرلمانات وحتى بعض القوى ومراكز النفوذ خارجها- قبل أن يخرج بصيغته التي خرج بها. فباستثناءات قليلة تمثلت في السويد ولوكسمبرغ - وهي دول ليست ذات ثقل كبير داخل الاتحاد الاوروبي - انحازت تسعة البرلمانات الاخرى الى صياغات اهتمت بإعطاء الانطباع بالاعتراف بالدولة الفلسطينية أكثر من اهتمامها بالدعوة الأكيدة لذلك. إذن فنحن أمام تحركات رمزية وذات أهمية من هذا القبيل فحسب، وليس اعترافاً او دعوة رسمية للإعتراف كما توهم البعض مدفوعاً بأبعاد رغائبية. 


* د. أديب زيادة: زميل مشارك في أكاديمية التعليم العالي البريطاني ومتخصص في السياسة الخارجية الاوروبية تجاه الشرق الاوسط. 


في هذه الورقة سوف نقف على الكيفيات التي خرجت بها القرارات البرلمانية واسباب الطبيعة الرخوة للصيغ التي حبكت بها قبل ان نناقش نصوصها. تنتهي الورقة بالحديث عن نقاش الجوهر والشكل ولعبة التمويه في القرارات التي تم تبنيها في هذا السياق وصولاً إلى الخلاصة. وللوقوف على حقيقة ما تمّ سوف نستخدم اسلوب تحليل مضمون الخطاب والذي يقوم على الربط بين سياق الخطاب ومضمونه من اجل التعرف على المعاني المتوارية خلف الكلمات التي تم استخدامها فيه، ومدى انسجام ذلك مع العلاقة التي تحكم الاطراف المخاطَبة والمخاطِبة. 

 

خلفيات الموقف 

صوتت الجمعية العمومية للأمم المتحدة على قرار الاعتراف بفلسطين بصفة دولة مراقبة غير عضو في الثلاثين من نوفمبر 2012.  في أعقاب ذلك حصلت الدولة الفلسطينية هذه على اعتراف 135 دولة حول العالم كانت آخرها دولة السويد بتاريخ 30 اكتوبر 2014. في هذا الإطار بدا أنه بالإضافة الى الولايات المتحدة فإنّ دول اوروبا الغربية رفضت الاعتراف بالوضعية الجديدة لفلسطين في الامم المتحدة واعتبرت ان الدولة الفلسطينية ينبغي ان تكون نتاج عملية تفاوضية بين الاسرائيليين والفلسطينيين،  وليست دولة افتراضية من طرف واحد،  وهو ما يعد تبنياً واضحاً للموقف الاسرائيلي الرافض للدولة الفلسطينية الا عبر القناة التفاوضية المتحكم بها عملياً من قبل اسرائيل. 


في أعقاب الحرب الاسرائيلية على غزة في تموز من العام 2014 وفشل الجهود التي قادها جون كيري وزير خارجية أمريكا لإعادة إحياء عملية السلام في الشرق الاوسط جراء التعنت الاسرائيلي بدا التململ واضحاً في أوساط واسعة من الاوروبيين معتبرين أن سياسة إسرائيل من شأنها توريط المنطقة في مزيد من الحروب والتوتر. من هنا بدأ بعض السياسيين في البرلمانات الاوروبية حملاتهم بهدف دعوة الحكومات الاوروبية للإعتراف بالدولة الفلسطينية كنوع من التعبير عن الموقف حيال التصرفات الاسرائيلية المتعلقة بالحرب والاستيطان وغيرها. سوى أنّ هذه الخطوة لم تبلغ منتهاها بل اعترضها الكثير من أنصار إسرائيل داخل البرلمانات وخارجها ممن يرون في الخطوة ضغطاً غير ملائم على إسرائيل أو أن من شأنها التاثير سلباً على فرص إعادة إحياء عملية سلام بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. الخطوات الاعتراضية هذه أفضت - بحركات التفافية ماهرة - الى إفراغ الخطوة من مضمونها وإخراجها بشكل ضعيف عبر جملة من القرارات ليست فقط غير ملزمة بل كانت أيضاً هزيلة وغير حاسمة. 


لزوجة القرارات بين المقصود (فعلا) والمقصود (انطباعاً) 

غالب تلك القرارات التي تتعلق بالاعتراف بالدولة الفلسطينية جاء إثر نقاشات في جلسات برلمانية مفتوحة خصصت لهذا الغرض؛ مما أعطى لها اهمية استثنائية. فالذين تحدثوا في هذه النقاشات لا سيما المعارضين منهم تحدثوا بدرجة غير معهودة من التحرر من مقص الرقيب كما حصل في مجلس العموم البريطاني، حيث وجهت العديد من الانتقادات القاسية لسياسات إسرائيل لا سيما تعنتها بشأن الاستيطان والتسوية والحرب الاخيرة على غزة.  إلا أنّ مخرجات تلك النقاشات كان على شكل قرارات مرنة ذات صياغات فضفاضة لا تحمل الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو الدعوة الصريحة لذلك، بل تم وضع مكبلات على شكل شروط حيث ترتبط المسائل ببعضها بطريقة يضيع معها المعنى الأساس ويتحقق مجرد الانطباع. المعاني التي اشتملت عليها الصياغات كانت موجهة بالدرجة الاولى لإسرائيل وأنصارها بما يعكس عدم الرضى الاوروبي المتزايد عن السلوك الاسرائيلي من جانب ولكن في ذات الوقت عدم الذهاب في التعبير عن هذا السخط أبعد من كونها تحركات رمزية من جانب آخر. أما الانطباع فقد قصد منه الفلسطينيون والعرب والقوى الشعبية الاوروبية المناهضة لسياسات اسرائيل التعسفية وجرائمها المتزايدة بحق الارض والانسان. وبالنظر الى المقصود (فعلاً) والمقصود (انطباعاً) ضاع جوهر التحرك ليبدو المشهد وكأن شيئاً لم يكن. ومن زاوية أخرى بدا وكأن هناك محاولات للقول بأنّ انجازا كبيراً قد تحقق بمجرد المصادقة على القرارات أياً كان مضمونها وشكلها. 


والحقيقة ان الرغبة في إحداث توازنات محددة داخل البرلمانات - وعدم استعداد طرف بعينه تحمل تبعات هذه الخطوة داخلياً وخارجياً- بين من هم مع الاعتراف بالدولة الفلسطينية ومن هم ضده أفضت الى صياغات توفيقية - او كما يعتبرها البعض تلفيقية - جعلت من حالة السيولة السمة المرافقة لهذا التحرك. ففي غالب الاحيان تم الاتفاق على صيغة القرار بين الاحزاب المشكلة للحكومات وتلك المعارضة لها كما حصل في بلجيكا والبرتغال، وفي بعضها بادرت الى هذه الخطوة احزاب حاكمة بنفسها كما في أسبانيا ولكن على قاعدة السيولة في الصياغات مما يعني الا تحرك فعلياً على أرض الواقع باتجاه الاعتراف الرسمي. كما عكست الرغبة في عدم إغضاب إسرائيل بحكم خصوصيتها لدى الاوروبيين أحد العوامل التي جعلت من الحراك البرلماني الاوروبي فارغاً من المضمون. 


علاوة على ذلك فقد ظهر العامل السوسيولوجي كأحد الفواعل المهمة في اتخاذ القرار حول ما تمّ؛ إذ لا زالت الاحزاب الاوروبية مسكونة بحالة من الجبن الظاهر والمرتبط بحالة الخوف من الوصم بمعاداة السامية عندما يتعلق الامر بمواجهة اسرائيل او نقدها وتعريتها. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه من الاوروبيين في أعقاب حرب تموز 2014 على غزة أن يتحركوا باتجاه لجم الجموح الاسرائيلي وإعادة عملية السلام الى السكة من جديد لجأ البرلمانيون الاوروبيون الى التغطية على عجزهم بقشور تتعلق بخطوات رمزية منقوصة وفارغة من حيث الفاعلية والتأثير على الرغم مما تحمله من معان مهمة. اما الموقف الامريكي والذي كان حاضراً باستمرار للتذكير بان الاعتراف بالدولة الفلسطينية لا بد ان يكون نتيجة مفاوضات بين الطرفين لا سابقاً لها فلم يكن بعيداً عن كيمياء التفاعل في أوساط الفاعلين الاوروبيين وتقاطعات العناصر المؤثرة فيه.  


على الرغم من بساطة الفكرة وقلة مفعولها على الأرض؛ إذ أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية – بافتراض موافقة اوروبا على ذلك -  لن ينقلها من كونها فكرة على ورق الى كونها حقيقة وذات سيادة، ظلت معظم البرلمانات الاوروبية التي اتخذت قرارات بهذا الشأن تحوم حول فكرة الاعتراف بالدولة دون ان تلامسها بحسم. وهذا يعكس بطبيعة الحال حجم الفجوة القائمة بين الاستعداد المتوفر لدى هذه الاطراف للعمل الجاد على حمل إسرائيل على الامتثال للقانون الدولي وبين ما ينتظره الكثيرون منها. فإذا عجز البرلمانيون الاوروبيون عن اتخاذ قرارات حاسمة في مسألة صغيرة بهذا الحجم فان التعويل عليهم في قضايا أكبر يغدو جزء من السراب الذي ينبغي الوعي على خداعه قبل أن يتحول الى خيبة أمل كبيرة. ففي الوقت الذي يعبر فيه الاوروبيون عن غضبهم في قضايا شبيهة حول العالم بفرض العقوبات القاسية – كما حصل في الازمة الروسية الاوكرانية - والدخول في تحالفات بعضها حربية يكتفي هؤلاء بذرّ الرماد في عيون أنصار القضية الفلسطينية ومؤازريها من خلال خطوات رمزية وبصياغات تبدو اعتذارية عندما يتعلق الامر بإسرائيل. 


مناقشة القرارات

يجدر ابتداء التأكيد على ان سبعاً من دول الاتحاد الاوروبي الشرقية اعترفت - ضمن قائمة شملت 134 دولة في الامم المتحدة - بدولة فلسطين هي بلغاريا وقبرص وسلوفاكيا وهنغاريا ومالطا وبولندا ورومانيا قبل أن تنضم اليها أول دولة من دول الاتحاد من الجانب الغربي للقارة وهي السويد.  وعلى الرغم من التمنيات التي اطلقها وزير خارجية السويد في أعقاب اعتراف حكومته بالدولة الفلسطينية أن يكون سلوك السويد "دالاً للآخرين على الطريق"  فإن خيارات دول اوروبا الغربية لم تكن وفقاً لتلك الأمنيات. حيث تردد صدى الاعتراف السويدي في أرجاء القارة الاوروبية الا أن ما تمخض عنه كان رمزياً الى حد بعيد ولا يحمل في ثناياه توجهاً حقيقياً لمواجهة التحديات على هذا الصعيد. في هذا السياق سوف نقوم باستعراض النصوص التي جاءت بها القرارات المذكورة أعلاه للتدليل على حجم الاشكالية التي نحن بصددها.    


•البرلمان الاوروبي

ابرز تلك التحركات حول فلسطين كان تحت قبة برلمان الاتحاد الاوروبي بتاريخ 17 ديسمبر 2014 حين صوت المجتمعون على قرار بهذا الشأن بعد مناقشات عميقة بين المجموعات البرلمانية وتأجيل للجلسة المخصصة لهذا الغرض لغايات التوصل الى صيغة توفيقية. جاء في القرار الذي سانده (498)عضوا وامتنع عنه او عارضه (199) آخرين "ان البرلمان الاوروبي يدعم من حيث المبدأ (supports in principle ) الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحل الدولتين ويعتقد ان ذلك ينبغي ان يسير جنباً الى جنب مع التطور في محادثات السلام التي ينبغي دفعها الى الامام".   فعدا عن أن البرلمانيين الاوروبيين (يدعمون) الفكرة ولا يدعون حكوماتهم لتبنيها فإنّ الاعتراف بالدولة الفلسطينية كما ورد في القرار هو دعم (من حيث المبدأ) وليس اعترافاً واقعياً ومباشراً، وهناك فرق كبير بين الامرين؛ فالاتحاد الاوروبي لم يأت بجديد عندما أكد على دعمه للفكرة (من حيث المبدأ)، لأن هذا المبدأ تم النص عليه والحديث عنه في العديد من المناسبات عبر البيانات الصادرة عن مجلس الاتحاد او المفوضية وحتى البرلمان ذاته. لذا فان الحركة التي قام بها البرلمان الاوروبي هي حركة (تنفيسية) لأولئك الساخطين على السلوك الإسرائيلي في فلسطين وليست حركة تحمل في طياتها توجهاً جاداً وعملياً باتجاه المواجهة مع إسرائيل وبالتالي الاعتراف بالدولة الفلسطينية ولو بشكل رمزي. من هنا فما تحقق هو الانطباع بوجود قرار أوروبي بالاعتراف في الوقت الذي لم يكن فيه الامر حقيقة على هذا النحو. 


•البرلمان اليوناني 

الاحدث بين نظرائه الاوروبيين كان البرلمان اليوناني والذي صوت بتاريخ 22 كانون الاول 2015 على مشروع قرار صودق عليه بالإجماع حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية. المتأمل في صيغة القرار يلاحظ ان ذات الصيغة الملتوية والمموهة استخدمت هذه المرة أيضاً تماماً كما الحال في البرلمانات الاخرى حيث تعمد من صاغوا القرار جعله مطاطاً حمّالاً لانطباعات قصد من توصيلها الإيحاء بالأمر ولكنه فعلياً يلتف عليه وبعيد عن كونه دعوة صريحة وأكيدة لا جدال حولها. القرار بصيغته نص على " ان البرلمان اليوناني يتعهد بدعم الاجراءات الضرورية للاعتراف بالدولة الفلسطينية (The Greek parliament pledges to promote all the necessary  procedures to recognize the state of Palestine) وعمل كل الجهود الدبلوماسية اللازمة لاستئناف فوري لمحادثات سلام ذات مصداقية بين الجانبين" . إذن فالقرار هو تعهد غير مسقوف بزمن بدعم الاجراءات اللازمة غير محددة المعالم والكيفية، وليس اعترافاً او حتى دعوة للحكومة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، والفرق بين الامرين كما هو معروف كبير، لا سيما عندما يصدر عن مشرّعين لكل كلمة في قراراتهم مغازي ودلالات مقصدوة بذاتها. مآل هذا القرار عبّر عنه رئيس الوزراء اليوناني (تسيبراس) والذي أكّد عدم الزاميته وعن كون الحكومة ستقوم بالإعتراف في الوقت المناسب وفي الظرف المناسب، ولكن كيف ومتى وما هي الظروف المقصودة فأسئلة ظلت برسم الإجابة إلى أجل غير مسمّى.     


•البرلمان الفرنسي 

البرلمان الفرنسي كان قد لعب ذات اللعبة بتاريخ 28 نوفمبر 2014 حيث دعا الحكومة الفرنسية الى "استخدام الاعتراف (use the recognition) بالدولة الفلسطينية بهدف حل الصراع نهائياً".  القرار الذي أيده (339) عضواً وعارضه ( 151) آخرين دعا الى (استخدام) الاعتراف وليس الى الاعتراف بحد ذاته، فكلمة (استخدام) تختلف تماماً عن كلمة (اعتراف) والفجوة بين المعنيين دعت الكثير ممن كانوا يعارضون التحرك داخل البرلمان لتأييده بهذه الصيغة التلفيقية. من هنا فالحكومة مطالبة - وفقاً للقرار غير الملزم بالاساس - بالعمل على حل الصراع نهائياً واستخدام الاعتراف لهذه الغاية، أما كيف وما هي الرؤية او السقف الزمني اللازم لذلك وإن كان الاعتراف بذاته مطلوباً اولاً ام لاحقاً فهي مسائل تم إخفاؤها قصداً خلف كلمة (استخدام). 


• البرلمان الأسباني 

 لم يكن الامر مختلفاً في أسبانيا؛ حيث دعت كل الاحزاب في البرلمان بتاريخ 18 تشرين الثاني 2014 الى "الاعتراف بالدولة الفلسطينية على أن يكون نتيجة لعملية تفاوضية بين الطرفين (This recognition should be the consequence of a process negotiated between the parties  ) بحيث تضمن الامن والسلام للجميع".  هنا يبدو الامر أكثر صراحة حيث تأتي الدعوة الى الاعتراف بالدولة الفلسطينية مشروطة بالتوافق الناتج عن عملية تفاوضية مفترضة بين الاسرائيليين والفلسطينيين. فما لم يتحقق هذا التوافق في إطار عملية السلام فلا اعتراف بالدولة الفلسطينية التي ستظل رهينة الاعتراض الاسرائيلي الدائم كما هو عليه الحال حتى اللحظة. وبهذا يكون البرلمان الاسباني قد وضع كل المسألة في تصرف دولة الاحتلال التي تملك فرض الوقائع على الارض وترفض الخضوع للقوانين والقرارات الدولية المتعلقة بالصراع العربي الاسرائيلي.  
• البرلمان الايطالي  


البرلمان الايطالي هو الآخر دعا بتاريخ 26 شباط 2015 الى "تأييد إقامة دولة فلسطينية (support the establishment of a Palestinian state) تعيش بسلام وامن وازدهار بجانب دولة اسرائيل على قاعدة الاعتراف المتبادل والالتزام المتبادل بضمان أن يعيش كل المواطنين بامان من جميع اشكال العنف والارهاب. من هنا فان الحكومة ملزمة بتعزيز ((promote الاعتراف بالدولة الفلسطينية كدولة ديمقراطية وذات سيادة على حدود الرابع من حزيران مع القدس كعاصمة مشتركة ولكن عليها أن تأخذ بالاعتبار المخاوف المشروعة ومصالح دولة اسرائيل". وفي قرار آخر تم التصويت عليه في ذات الوقت دعا البرلمان الى" تعزيز تحقيق اتفاق سياسي بين فتح وحماس- من خلال الاعتراف بدولة اسرائيل ونبذ العنف- بحيث يقود ذلك الى توفير ظروف الاعتراف بالدولة الفلسطينية".   
من هنا وعلى ذات المنوال فان البرلمان الايطالي دعا الى ( تأييد) إقامة دولة فلسطينية وليس الاعتراف بها وهو تكرار للمكرر ليس إلا، فالحكومة الايطالية طالما عبرت عن تأييدها منفردة أو في إطار الاتحاد الاوروبي لإقامة الدولة. ولم يكتف البرلمان بهذه الصيغة الباهتة بل عمد الى ربط مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية بالاعتراف المتبادل مع دولة الاحتلال وتحقيق الامن ومؤكداً في ذات الوقت على ضرورة ان تأخذ الحكومة الايطالية في توجهاتها نحو هذا الامر المخاوف والمصالح الاسرائيلية (المشروعة). وقد سبق أن أبدت إسرائيل رفضها للإعتراف بالدولة الفلسطينية ومخاوفها من أن يؤثر ذلك على الحل النهائي للصراع مما يعني ان حكومة ايطاليا يجب ان تأخذ ذلك بالحسبان قبل ان تبلور موقفاً إيجابياً. وبالتالي فنحن أمام تبنّ كامل للموقف الإسرائيلي والامريكي بهذا الشأن. وهو ما يعني بشكل واضح ان لا اعترافاً قريب أو مباشر بالدولة الفلسطينية. فما دام الامر معلقاً بهذه الشروط فان من غير المرجح ان تقدم حكومة ايطاليا على مثل هذه الخطوة. ومما يدلل على مدى هشاشة ما تمّ أنّ القرار البرلماني الايطالي كان محط حفاوة السفارة الاسرائيلية في إيطاليا والتي اعتبرت ان القرار في صالح إسرائيل ولا يحمل في طياته دعوة صريحة او مباشرة او قريبة للاعتراف بالدولة الفلسطينية الا في أعقاب التوصل الى اتفاق عبر المفاوضات المباشرة بهذا الشأن. 


• البرلمان البلجيكي

الدعوة البرلمانية للاعتراف بالدولة الفلسطينية في بلجيكا بتاريخ 5 شباط 2015 كانت مغلفة باشتراطات واضحة وصريحة هي الأخرى، فرئيس الوزراء البلجيكي واربعة من الاحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم وبمعارضة اليسار وحزب الخضر دعا البرلمان" الى الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الوقت المناسب (at the right time ) مع الاخذ بعين الاعتبار عدة مسائل: الانعكاس الايجابي لذلك على اعادة اطلاق المفاوضات بين الطرفين، وتأثير ذلك على التعاون داخل الاتحاد الاوربي، ووجود حكومة فلسطينية تمارس صلاحياتها على كامل الاراضي الفلسطينية".  هنا يبدو من الواضح ان الدعوة الى الاعتراف ليست بالضرورة الان ولكن (في الوقت المناسب) وحتى عندما يكون ذلك قد حان فما لم تتحق الشروط الثلاثة المنصوص عليها والمتعلقة بتقدير مدى الانعكاس الايجابي على المفاوضات والتعاون داخل مؤسسات الاتحاد الاوروبي وممارسة الحكومة الفلسطينية صلاحياتها على الضفة الغربية والقطاع على حد سواء فليس من الوارد الاعتراف بالدولة الفلسطينية. جلّ هذه الشروط تؤكد أن القرار من حيث المضمون خال  من اية قيمة حقيقية لصالح فلسطين بل على العكس فانّ هناك مرة أخرى تبنياً واضحاً للموقف الاسرائيلي والامريكي بهذا الشأن والذي يقضي بان يكون اي اعتراف بالدولة الفلسطينية نتيجة لمفاوضات بين الطرفين. فإذا كانت المسألة مكبلة بكل هذه الاشتراطات فأين هو الاعتراف بالدولة الفلسطينية التي يزعم البعض ان البرلمان البلجيكي قد صوت لصالحها!  
• البرلمان البرتغالي


مستخدماً ذات اللغة الفضفاضة وفي السياق ذاته دعا برلمان البرتغال بتاريخ 12 كانون اول 2014 الى "الاعتراف - بالتنسيق مع الاتحاد الاوروبي (in coordination with the European Union) - بالدولة الفلسطينية كدولة مستقلة وذات سيادة داعياً الحكومة الى الاستمرار في دعم الحوار والتعايش السلمي بين الفلسطينيين والاسرائيليين".  هنا تجلى الذكاء البرتغالي ليربط المسألة بالتنسيق مع الاتحاد الاوروبي، فما لم يوافق الاتحاد الاوروبي على الاعتراف بالدولة الفلسطينية - كما هو عليه الحال فعلاً- فلن يكون هناك اعتراف برتغالي بها أو حتى دعوة برلمانية بهذا الشأن. وعلى افتراض أن الحكومة البرتغالية سوف تنسق في الامر فعلاً بشكل منفرد مع الاتحاد الاوروبي فانّ موقف الاخير سينسحب عليها كذلك بلا مواربة، وهو ما يجعل فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية مرة أخرى محطاً للتساؤل. إذن فالدعوة مشروطة وليست صريحة وواضحة كما أوحى بذلك بعض السياسيين ذوي العلاقة.  


• مجلس العموم البريطاني 

 أما في بريطانيا فلم يكن الامر مختلفاً إلى حد بعيد، فقد تقدم النائب العمالي المعروف بصداقته للقضية الفلسطينية غراهام موريس لمجلس العموم البريطاني بمشروع قرار صريح وغير مشروط ينص على "دعوة الحكومة البريطانية الى الاعتراف بالدولة الفلسطينية الى جانب دولة اسرائيل"، الا ان تدخلات كثيرة من قبل السفارة الاسرائيلية وضغوطات عديدة أخرى وفقا للنائب العمالي جاك سترو  قادت الى اقتراح تعديلي على مشروع القرار تقدم به الأخير ورحب به غراهام بحيث اصبح مشروع القرار "دعوة الحكومة البريطانية الى الاعتراف بالدولة الفلسطينية الى جانب دولة اسرائيل كإسهام ( (as a contribution في تأمين حل الدولتين القائم على أساس تفاوضي". وقد جرى التصويت على القرار بهذه الصيغة بتاريخ الثالث عشر من اكتوبر 2014 حيث تم تمريره بواقع 274 صوتاً معظمهم من حزب العمال مقابل 12 نائباً صوتوا ضد القرار.    


بعد ان كانت الصيغة مطلقة كما اقترحها (موريس) اصبحت اقل اطلاقا ونالت موافقة آخرين على هذا التعديل والذي تمّ كإجراء استرضائي للاطراف المتحفظة والرافضة والتي كانت مصرة على تخفيف اللهجة وجعلها بهذه المرونة. ففي الوقت الذي ترى فيه الحكومة ان الاعتراف بالدولة الفلسطينية لن يكون إسهاماً واضحاً في دفع عملية السلام قدماً أو حتى معيقاً لها كما تدعي ذلك الحكومة الاسرائيلية فان الحكومة البريطانية الحالية او القادمة ستكون في حلّ من أي التزام أدبي بهذا الشأن. يعزز هذا الفهمَ تصريحات رئيس حزب العمال البريطاني (Ed Miliband) بتاريخ 10/4/2015 في معرض رده على سؤال بهذا الشأن، حيث أكد بأن الحزب انما دعم قراراً رمزياً للاعتراف بفلسطين من حيث المبدأ، وانهم يؤيدون هذا الاعتراف اذا كان سيساعد في الوصول الى اتفاق سلام شامل في الشرق الاوسط. كما أضاف بأن اعتراف الحزب في حال فوزه في الانتخابات البرلمانية في مايو 2015 يعتمد على امكانية ان يساعد ذلك بشكل بناء عملية المفاوضات بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني.  إذن فالمسألة مشروطة وليست على إطلاقها- وهو ما ينسجم مع ما ذهبت اليه غالبية البرلمانات الاوروبية التي صوتت على مثل هذا التحرك فيما بعد- خلافاً للانطباع الذي ساد بأن مجلس العموم صوت بشكل صريح لصالح الاعتراف بالدولة الفلسطينية.  


•البرلمان الايرلندي

بطريقة مماثلة ولكن اكثر تفصيلاً – وعلى طريقة مجلس العموم البريطاني - تبنى البرلمان الايرلندي بتاريخ التاسع من ديسمبر 2014 - بموافقة جميع الاحزاب بما فيها الحكومة - مشروعاً يدعو الى الاعتراف بالدولة الفلسطينية بعد أن تمت زيادة المقطع الذي أضافه البرلمان البريطاني من قبل والذي يخل بحالة الوضوح والصراحة التي كان يسعى اليها مؤيدو التحرك من اجل فلسطين داخل البرلمان. وقد نص القرار على الدعوة الى "الاعتراف رسمياً بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران على ان تكون القدس الشرقية عاصمة لها كما نصت على ذلك قرارات الامم المتحدة كمساهمة ايجابية اخرى لتأمين حل تفاوضي على اساس الدولتين للصراع الاسرائيلي الفلسطيني".  اتفاق جميع الاطراف على نص القرار حال دون الحاجة الى التصويت عليه داخل البرلمان. وفي إطار تأييده ودعمه لهذا التحرك عبر جيري آدمز زعيم الشين فين عن أن هذه التحركات تأتي في إطار ضرورة "الوقوف الى جانب المواطنين الفلسطينيين والاسرائيليين الذين يريدون السلام ويتحملون المخاطر من اجله". 


عند التأمل في القرار أسوة بما سبقه من قرارات فان تلك الإضافات والتعديلات التي جرت عليه لم تكن مجرد إضافات تجميلية بل إنها تتعلق بلبّ القرار مما حدا حتى بالاحزاب الحاكمة الى دعمه ولكن دون أن تجد نفسها ملزمة فيما بعد باتخاذ اية خطوة عملية باتجاه الاعتراف الفعلي بالدولة الفلسطينية. أما لوكسمبرغ فقد كانت الاستثناء الوحيد الذي عبر فيها البرلمان بتاريخ 17 كانون الأول 2014 عن توجهاته بلا مواربة أو تمييع للمواقف داعياً الحكومة الى "الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران وبتعديلات متفق عليها بين الطرفين".  

جدل (الجوهر) و (الشكل) ولعبة التمويه

اتسمت كل القرارات التي تم نقاشها بالمرونة واستخدام لغة التمويه بدلاً من لغة الحسم بخصوص الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ولا شك ان العامل الإسرائيلي كان دائماً هو الحاضر الغائب في النقاشات والذي صيغت خلاصاتها على شكل قرارات صممت للالتفاف على الفكرة بدلاً من تبنيها بشكل لا ريب فيه. وهو ما يؤكد عمق الارتهان للمواقف الإسرائيلية في عموم القارة الاوروبية. 


مما لا يختلف عليه المحللون والاكاديميون فضلاً عن السياسيين ان المواقف والبيانات والاتفاقيات والقرارات الدولية تتم صياغتها بعناية فائقة، لان الكلمات فيها هي حوامل معان تظهر أو تختفي خلفها. هذه المعاني إما تكون ترجمة مباشرة لافعال وسياسات، أو تتم ترجمتها الى سياسات تنفيذية وفقاً لطبيعة تلك القرارات والمواقف. لذا فلا عجب ان نرى بيانات مجلس الامن وقراراته على سبيل المثال تأخذ النقاشات حولها أحياناً أسابيع أو ربما أشهر، كما أن التصريحات الصحفية الرسمية في البلاد التي تصنع سياساتها مؤسسات يتم تمريرها على العديد من دوائر صنع القرار لتمحيصها قبل اعتمادها. علاوة على ان الجدل التاريخي حول قرار مجلس الامن 242 إن كان القرار قد استخدم في موضوع الانسحاب من الاراضي الفلسطينية كلمة (أراض) أو ( الاراضي) خير تعبير عن معنى زيادة الحرف او نقصانه في البيانات الرسمية. 


من هنا يخطئ من يرى ان ما تم من شدّ وجذب بين الاحزاب المختلفة داخل البرلمانات الاوروبية حول صياغة وتبني القرارات المتعلقة بالاعتراف بفلسطين مجرد شكليات. فالحقيقة ان الذي جرى هو تغيير في جوهر نص القرارات، إذ تمّ التلاعب جدّياً في الالفاظ والكلمات للالتفاف على الفكرة الاساسية بهذا الشأن. وحتى نعلم اهمية التعديلات التي طرأت على الصياغات الاساسية علينا ان ندرك ان الفرق بين الصيغ الاساسية والصيغ التي انتهت اليها تلك القرارات كان كفيلاً بحمل كثير من معارضي الفكرة الى تأييدها ليس تسليماً من قبل طرف لصالح طرف، بل قناعةً بأن الصيغ المعدلة كفيلة بجسر الهوة في المواقف وإفراغ القرارات من مضمونها ان لم يكن تضييع الهدف من التحرك كما أراده من بدأوه. 


ومن المثير للسخرية في كثير من الاحيان ان الاتفاق بين الكتل النيابية على الصياغات المعدلة تم بين قطبي المعارضة والحكومة في آن واحد، كما في أسبانيا وايرلندا وإيطاليا. فنظرياً من المفترض ان المخاطب بالقرارات هي الحكومات المنبثقة عن تلك الاحزاب الحاكمة، ولكن عملياً فإنّ أحداً من تلك الحكومات لم يتبن القرارات ولم يسع الى تفعيلها أو حتى استخدامها للضغط من اجل إعادة الحياة الى مسار التسوية السياسية رغم التأييد الذي أبدته احزابها، مما يعني ان صياغة تلك القرارات – حتى وان كانت غير ملزمة - قد تمت باستخدام لغة تمويهية لتبدو دعوات الى الاعتراف بينما هي في واقع الحال غير ذلك تماماً.  

الخلاصة

في الوقت الذي تدعم فيه الكثير من الدول النامية الاعتراف بالدولة الفلسطينية فإنّ معظم الدول الاوروبية الغربية تعتبر ذلك ممكناً فقط كنتيجة لعملية تفاوضية بين الطرفين، مما يعد في واقع الامر انحيازاً واضحاً للطرف المتغلِّب على طاولة المفاوضات، وبالتالي دفعاً للطرف الفلسطيني كي يسلّم بالإملاءات الاسرائيلية. عدم وضع النقاط على الحروف في هذه القضية من شأنه الإسهام في التغطية على الحقيقة؛ فقد عمد الكثيرون الى تحميل القرارات البرلمانية الاوروبية ما لا تحتمل وبنوا على ذلك اوهاماً تتعلق ربما بقرب طلاق اوروبي إسرائيلي، بينما يعدّ هذا مجانبة كلية للصواب. فالمسافة بين ما تم وما ينبغي ان يتم على هذا الصعيد لا زالت شاسعة الى مدىً يصعب معه جسر الهوة بمثل تلك القرارات اللزجة. فاذا ما كانت تلك التحركات في البرلمانات تعبر عن نفاذ صبر لدى الاوروبيين جراء الجمود الدبلوماسي والسياسي في المنطقة بعد فشل الجهود التي قادتها الولايات المتحدة،  الا أن هذا الصوت الساخط لا زال غير جريء وبالكاد يخرج مسموعاً بشكل تفهم معه إسرائيل حدودها فتسلم بما تقتضيه القرارات والاتفاقيات الموقعة بينها وبين الفلسطينيين.


هذا لا يعني بحال من الاحوال أنّ الحراك الاوروبي لا يحمل دلالات أو معانٍ او انه خال من اي أبعاد رمزية. فالرمزية التي يحملها تتعلق بالتنامي المتزايد للضجر الاوروبي من السلوك الاسرائيلي المتعنت إزاء الفلسطينيين، كما تعني أن الطبيعة المتعجرفة التي تتعامل بها إسرائيل مع اوروبا وأمريكا لم تعد مقبولة لدى قطاع مهم من السياسيين الاوروبيين وهو ما يشي بإمكانيات التصعيد في الموقف وفق التطورات على المشهد. هذه الجرعة الاستثنائية من الجرأة – رغم صغرها - على الحديث والانتقاد التي أبداها البرلمانيون جاءت بفعل الدماء التي سالت في حروب اسرائيل الثلاثة على قطاع غزة منذ العام 2008 وحتى العام 2014 علاوة على الحراك المساند للحق الفلسطيني في الاوساط الشعبية الاوروبية. 

تقارير يوروبال

النشرة الشهرية

Copyright © 2014-2015 EuroPal Forum - All rights reserved